مصطفى صادق الرافعي
171
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
تبعد ، فهو يبتدئ في الصورة الجميلة ويستتم في النفس ، فلو أنها أغمضت العين دونها لبقيت الصورة ماثلة بجملتها في الفكر ، ولو وقفت العين على وجهة واحدة منها لوصلها الفكر بسائر أجزائها فتمثلت به سوية التركيب تامة الخلق ، في حين لا ترى العين إلا هذه الجهة وحدها . وذلك أمر متحقق بعد في القرآن الكريم : يقرأ الإنسان طائفة من آياته فلا يلبث أن يعرف لها صفة من الحسّ ترافد ما بعدها وتمده ، فلا تزال هذه الصفة في لسانه ولو استوعب القرآن كله ، حتى لا يرى آية قد أدخلت الضيم على أختها ، أو نكّرت منها ، أو أبرزتها عن ظلّ هي فيه . أو دفعتها عن ماء هي إليه ، ولا يرى ذلك كله إلا سواء وغاية في الروح والنظم والصفة الحسية ، لا يغتمص في هذا إلا كاذب على دخلة ونية ، ولا يهجّن منه إلا أحمق على جهل وغرارة ، ولا يمتري فيه بعد هذين إلا عاميّ أو أعجمي . . وكذلك يطبع اللّه على قلوب الذين لا يعلمون . إن طريقة نظم القرآن تجري على استواء واحد في تركيب الحروف باعتبار من أصواتها ومخارجها ، وفي التمكين للمعنى بحس الكلمة وصفتها ، ثم الافتنان فيه بوضعها من الكلام ، وباستقصاء أجزاء البيان وترتيب طبقاته على حسب مواقع الكلمات ، لا يتفاوت ذلك ولا يختل ، فمن أين يدخل على قارئه ما يكد لسانه ، أو ينبو بسمعه ؛ أو يفسد عليه إصغاءه أو يرده عما هو منه بسبيله ؛ أو يتقسم إحساسه ويتوزع فكره ؛ أو يورده الموارد ، من ذلك كله أو بعضه ؛ إلا أن يكون هذا القارئ ريضا لم تفلح فيه رياضة البلاغة ولا أجدى عليه التمرين والدّربة ، فخرج ألف اللسان بليد الحس متراجع الطبع ، لم يبلغ مبلغ الصبيان في إحساس الغريزة وصفاء هذه الحاسة واطراد هذا الصفاء . فإننا لنعرف صبيان المكاتب - وقد كنا منهم - وما يسهل عليه القرآن وإظهاره ، ولا يمكنه في أنفسهم حتى يثبتوه ، إلا نظمه واتساق هذا النظم ، ولو هم أخذوا في غيره من فنون المعارف أو متون العلوم أو مختار الكلام أو نحوه مما يرادون على حفظه ، أيّ ذلك كان ، لأعياهم وبلغ منهم إلى حد الانقطاع والتخاذل ، حتى لا يجمعوا منه قدرا في حجم القرآن إن جمعوه إلا وقد استنفدوا من العمر أضعاف ما يقطعونه في حفظ القرآن : على أنهم يبلغون من هذا بالعفو والأناة ، ولا يبلغون مثله من ذلك إلا بالعنت والجهد . وقد ينسى أحدهم الآية من القرآن فينقطع إلى الصمت من قراءته ، أو تتدخل في لفظه بعض الآيات المتشابهة في السور ، أو يسقط بعض اللفظ في تلاوته فيضلّ في ذلك ، ثم لا ييسّره للذكر ، ولا يذكره بالآية المنسية أكثر ما يتذكر ، إلا نسق الحروف في بعض كلماتها ، ولا يبين له مواقع الكلم المتشابهات ، إلا نظام كل كلمة من آيتها ، ولا يهديه إلى ما أسقطه من اللفظ غير إحساسه باضطراب النظم وتخلخل الكلام ، ولقد كان